عبد الملك الجويني
496
نهاية المطلب في دراية المذهب
فلو قال صاحب العلو : اغرَم لي أجرة البانين ، لم يُجب إلى ذلك . وإن قال : أمنعك من السكون ( 1 ) ، لم يجب إلى ذلك ؛ فإنه أوى إلى ملك نفسه . وإن قال : إذا كان كذلك ، فأنا أنقض بنائي ، وأرُدُّ الأمرَ إلى ما كان ، نُظر : إن لم يأت بعينٍ جديدة في البناء ، فليس له نقضه ؛ إذْ ليس له في الجدار إلا حقُّ الصنعة ، وقد كان انفرد بها ، ولا سبيل إلى استدراك الصنعة ، فالصنعة ( 2 ) لا تستدرك . وإن كان أعاد جدران السفل بأعيانٍ من عند نفسه ، [ فله نقضه ] ( 3 ) ، وليس له منعُ صاحب السفل من السكنى إلى اتفاق النقض ؛ لأنه يقول : أنا أدخل ملكي ، فلا سبيل إلى منعه ، ثم حيث نمنعه من النقض - وذلك إذا لم يحدث عيناً في البناء - فلو هدم ، فالمذهب أنه يغرَم ما ينقصُه النقض ؛ فإنه إذا بنى ، فقد انقطع عمله ، والبناء على صفته مملوك لصاحب السفل ، فإذا هدمه ، كان جانياً على ملك غيره . وسنمهد هذه القاعدة في كتاب الغصوب ، ونذكر فيها ضبطاً لبعض الأصحابِ ، إن شاء الله تعالى . 4201 - ولو كان بنى السفل بأعيان ملكه ، فالذي ذهب إليه الأصحاب أنه لا يمنع صاحب السفل من الانتفاع بالسفل سُكنى ، وليس للباني إلا النقضُ ، والرجوعُ إلى عين ماله . وذكر صاحب التقريب وجهاً أن لصاحب العلو الباني [ منع ] ( 4 ) صاحب السفل فيقول له إما أن تبذل قيمة أعيان ملكي ، وإما أن تنكف عن الانتفاع بها ، وإذا دخلت السفل ، فقد انتفعت بالسقف والجدران ، وهي من أعيان ملكي ، وقد بنيتُ ولي البناء . وهذا وجهٌ غريبٌ غيرُ معتد به ، والمذهب والقياسُ ما قدمناه ، من أن الباني لا يملك إلا نقضَ البناء ، فأما المنع من الانتفاع ، فلا . والذي ذكره صاحب التقريب يشبه قياس المصالح ، والمصلحة تقتضي الإجبارَ على العمارة . وتفريعنا على الجديد .
--> ( 1 ) أي السكن . ( 2 ) في الأصل : والصنعة . ( 3 ) في الأصل : فلم يقضه . ( 4 ) في الأصل : مع .